ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري

186

تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )

وقيل إن جماعة من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كانوا في الرخاء شاكرين وفي الضراء صابرين وفي السراء حامدين وكانوا لله متواضعين ( 1 ) وعن حب العلو والتكاثر ورعين لم ينالوا من الدنيا إلا المباح لهم ورضوا بالبلغة منها ورجوا الدنيا وصبروا على مكارهها وتجرعوا مرائرها وزهدوا في نعيمها وزهرتها . وقد بلغنا أنه كان بعضهم إذا أقبلت الدنيا عليهم حزنوا وقالوا ذنب عجلت عقوبته وإذا رأوا الفقر مقبلا فرحوا وقالوا مرحبا بشعار الصالحين . وبلغنا أن بعضهم كان إذا أصبح وعند عياله شيء أصبح كئيبا حزينا وإذا لم يكن عندهم شيء أصبح فرحا مسرورا فقيل له إن الناس إذا لم يكن عندهم شيء حزنوا وإذا كان عندهم شيء فرحوا وأنت لست كذلك قال إني إذا أصبحت وعند عيالي شيء اغتممت إذ لم يكن لي بآل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم أسوة . وبلغنا أنهم كانوا إذا سلك بهم سبيل الرخاء حزنوا وأشفقوا وقالوا ما لنا وللدنيا وما يراد بها فكأنهم على جناح خوف وإذا سلك بهم سبيل البلاء فرحوا واستبشروا وقالوا الآن تعاهدنا ربنا فهذه أحوال السلف ونعتهم وفيهم من الفضل أكثر مما وصفناه فبالله أكذلك أنت وسأصف أحوالك أيها المفتون وذلك أنك تطغى عند الغنى وتبطر في الرخاء وتمرح عند السراء وتغفل عند شكر ذي النعماء وتقنط عند الضراء وتسخط عند البلاء نعم وتبغض الفقر وتأنف من المسكنة وذلك فخر المرسلين وأنت تأنف من فخرهم وتذخر المال وتجمعه خوفا من الفقر وذلك من سوء الظن بالله تعالى وقلة اليقين بضمانه وكفى به إثما وعساك أن تجمع المال لنعيم الدنيا وزهرتها وشهواتها ولذاتها . وبلغنا أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم . وقال بعض أهل الحكمة ليجيئن يوم القيامة قوم يطلبون حسنات لهم فيقال لهم :

--> ( 1 ) في بعض النسخ ] وكانوا متواضعين وكانوا لله ] . ( 2 ) المرح - كالبطر وزنا ومعنى ويصرف كلاهما من باب علم - : شدة الفرح .